فلسفة إنقاذ الشركات المتعثرة في قانون 11 لسنة 2018
من منطق التصفية إلى إدارة التعثر
شكّل صدور قانون رقم 11 لسنة 2018 تحولًا نوعيًا في نظرة المشرّع المصري إلى الأزمات المالية التي تمر بها الشركات. فبعد عقود من التعامل مع التعثر بمنطق ينتهي غالبًا إلى التصفية والإقصاء من السوق، انتقل التشريع إلى مقاربة أكثر واقعية تقوم على إنقاذ الشركات المتعثرة متى كان ذلك ممكنًا، بدل الاكتفاء بإدارة نتائج الفشل.
هذا التحول لم يكن شكليًا أو لغويًا، بل مسَّ جوهر الفلسفة القانونية التي تحكم معالجة الديون المتعثرة، وأعاد تعريف العلاقة بين المدين والدائن والدولة، من علاقة صدامية إلى علاقة تنظيمية تحاول تقليل الخسائر الجماعية والحفاظ على القيمة الاقتصادية للنشاط.
هل تحتاج إلى استشارة؟ قبل قراءة باقي المقال يمكن ملء النموذج أدناه:
لماذا احتاج المشرّع إلى فلسفة إنقاذ؟
الواقع العملي قبل 2018 كشف عن إشكالية متكررة:
شركات تتعثر لأسباب مالية أو تشغيلية قابلة للإصلاح، لكنها تُدفع سريعًا إلى مسارات قانونية تُفكك النشاط وتُهدر أصوله، فيخسر:
- المدين مشروعه بالكامل،
- الدائن فرصة تحصيل أفضل،
- والاقتصاد قيمة تشغيلية واستثمارية كان يمكن الحفاظ عليها.
من هنا جاءت الحاجة إلى إطار تشريعي يعترف بأن التعثر المالي لا يعني بالضرورة الفشل النهائي، وأن إدارة الأزمة قد تكون أجدى من إنهائها.
إنقاذ الشركات المتعثرة كهدف تشريعي
اعتمد قانون 11 لسنة 2018 فلسفة واضحة مفادها أن الشركة المتعثرة ليست عبئًا يجب التخلص منه، بل كيانًا اقتصاديًا قد يكون قابلًا للاستمرار إذا أُعيد تنظيمه بصورة سليمة.
وتجلّى هذا الهدف في عدة ملامح، من أبرزها:
- الفصل بين مفهوم التعثر ومفهوم الانهيار الكامل،
- إعطاء الأولوية لمعالجة أسباب الأزمة بدل الاكتفاء بعلاج نتائجها،
- الاعتراف بأن استمرار النشاط قد يحقق مصلحة مشتركة لجميع الأطراف.
وبذلك لم يعد التدخل القانوني مرادفًا للعقاب أو الإقصاء، بل أصبح أداة لتنظيم التعافي.
معالجة الديون المتعثرة بدل تصعيد النزاع
من أهم ما كرّسه القانون الجديد هو الانتقال من منطق “تحصيل الدين بأي وسيلة” إلى منطق معالجة الديون المتعثرة ضمن إطار جماعي ومنظم.
هذا الإطار يقوم على:
- تجميع الصورة المالية الكاملة للنشاط،
- فهم هيكل الديون وأسباب اختلاله،
- البحث عن حلول عملية توازن بين قدرة الشركة على السداد وحقوق الدائنين.
الغاية هنا ليست تأجيل المشكلة، بل تفكيكها وإعادة ترتيبها بطريقة تقلل من الخسائر الكلية مقارنة بسيناريو التصفية أو الإفلاس المبكر.
إعادة هيكلة الدين كأداة إصلاح
في قلب هذه الفلسفة، تبرز إعادة هيكلة الدين باعتبارها أداة فنية وتنظيمية لمعالجة الخلل المالي، لا مجرد إجراء شكلي.
إعادة هيكلة الدين قد تشمل:
- إعادة ترتيب آجال السداد،
- تنظيم الفوائد والغرامات،
- مواءمة الالتزامات مع التدفقات النقدية المتوقعة،
- وربط السداد بخطة تشغيلية واقعية.
والمهم هنا أن إعادة الهيكلة لا تُقدَّم باعتبارها “تنازلًا” من الدائن، بل كخيار عقلاني يهدف إلى تعظيم فرص التحصيل بدل الدخول في نزاع طويل يستهلك القيمة.
تغيير دور المحكمة: من مُعلِن للإفلاس إلى مُنظِّم للتعافي
غيّر القانون الجديد أيضًا من دور السلطة القضائية.
فبعد أن كان الدور التقليدي يقتصر على إعلان الإفلاس وإدارة التصفية، أصبح دور المحكمة أقرب إلى الإشراف على مسار الإنقاذ، من خلال:
- تنظيم الإجراءات،
- ضمان الشفافية،
- مراقبة توازن المصالح،
- ومنع إساءة استخدام آليات الإنقاذ.
هذا التحول عزّز فكرة أن التدخل القضائي ليس نهاية الطريق، بل قد يكون بداية مسار تصحيحي منضبط.
حدود فلسفة الإنقاذ
رغم هذا التحول، لم يتبنَّ القانون فلسفة إنقاذ مطلقة أو غير مشروطة.
فإنقاذ الشركات المتعثرة ليس هدفًا في ذاته، بل وسيلة مشروطة بـ:
- جدوى النشاط اقتصاديًا،
- واقعية الخطة المقترحة،
- عدم الإضرار غير المبرر بحقوق الدائنين،
- وتوافر مؤشرات حقيقية على إمكانية الاستمرار.
وعند غياب هذه الشروط، يظل الانتقال إلى المسارات الأخرى نتيجة طبيعية، لا فشلًا للتشريع.
تمهيد للمرحلة التالية
فلسفة قانون 11 لسنة 2018 وضعت الأساس النظري والعملي لإدارة التعثر بصورة أكثر توازنًا.
غير أن التطبيق العملي كشف لاحقًا عن تحديات استدعت تدخلًا تشريعيًا جديدًا، وهو ما ستتناوله التعديلات اللاحقة، ودورها في إعادة ضبط العلاقة بين الإنقاذ وحماية الدائن.
هذا المقال ضمن دراسة شاملة
يأتي هذا المقال في إطار دراسة شاملة بعنوان: “إعادة الهيكلة والصلح الواقي من الإفلاس”، والتي تتناول تطور الإطار التشريعي المصري المنظّم لإدارة التعثر المالي، من زاوية قانونية واقتصادية وعملية.
ويمثل هذا المقال الجزء الثالث من الدراسة، حيث يركّز على فلسفة إنقاذ الشركات المتعثرة في قانون 11 لسنة 2018، والتحول الذي أحدثه هذا القانون في التعامل مع الأزمات المالية، من منطق التصفية وإقصاء النشاط، إلى منطق معالجة الديون المتعثرة وإعادة تنظيم الشركات القابلة للاستمرار.
ويمكن الرجوع إلى باقي أجزاء الدراسة لفهم السياق الكامل للتطور التشريعي، بدءًا من التنظيم التقليدي للإفلاس في قانون التجارة، وصولًا إلى التعديلات اللاحقة التي أعادت ضبط العلاقة بين المدين والدائن.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
ما المقصود بإنقاذ الشركات المتعثرة في قانون 11 لسنة 2018؟
يقصد به تبني إطار قانوني يهدف إلى الحفاظ على النشاط الاقتصادي القابل للاستمرار، من خلال تنظيم أوضاعه المالية والتشغيلية، بدل الدفع المباشر نحو التصفية أو الخروج من السوق.
هل معالجة الديون المتعثرة تعني إسقاطها؟
لا. معالجة الديون المتعثرة تهدف إلى تنظيمها وإعادة ترتيبها بما يتناسب مع قدرة الشركة على السداد، وليس إسقاط الالتزامات أو إعفاء المدين منها تلقائيًا.
ما الفرق بين إعادة هيكلة الدين وتأجيل السداد؟
تأجيل السداد حل مؤقت يرحّل المشكلة زمنيًا، بينما إعادة هيكلة الدين تقوم على معالجة أسباب الخلل المالي نفسها، وربط الالتزامات بخطة تشغيلية واقعية ومستدامة.
هل فلسفة الإنقاذ تنحاز للمدين على حساب الدائن؟
لا. فلسفة الإنقاذ تقوم على تحقيق توازن عملي، بحيث يحصل الدائن على فرصة تحصيل أفضل مما قد يحصل عليه في سيناريو التصفية، مع الحفاظ على حقوقه القانونية وضمان الرقابة القضائية.